|
أبو
العلاء المعري
ولد في معرة النعمان بين حمص وحلب من أسرة عريقة تعود بأصولها إلى
قضاعة من فحطان ، أصحاب أحمد وهو في الثالثة داء الجدري فلم يشف منه
حتى أخذ بصره وطبع على وجهه علامات قبحه ، إلا أنه مع ذلك لم يتوان عن
طلب العلم وتحصيل الشهرة .
تجول في البلاد طالباً العلم ، إلا أن وفاة أمه قبل وصوله إليها جعله
حزيناً جزعاً فقرر اعتزال الناس وسمى نفسه رهين المحابس الثلاثة وهم
البيت والعمى وحبس روحه في جسده .
جمع أبو العلاء مواعب فطرية من قوة حفظ وتوقد ذهن إضافة إلى علم واسع
حتى بلغت مؤلفاته السبعين .
من أهم مؤلفاته رسالة الغفران رسالة ملقى لاسبيل وكتاب الأيك والغصون
ورسالة الملائكة ، والتي تناول مواضيع مختلفة في الأدب واللغة والدين
والفلسفة والاجتماع .
تناول كمثال عن مؤلفاته النثرية رسالة الغفران :
وهي رسالة كتبها المعري إلى علي بن منصور المعروف بأبي القارح الحلبي
جواباً على رسالة بعث بها إليه سائلاً إياه عن عدة مسائل تتعلق بالأدب
والفلسفة والزندقة وغير ذلك ، فكان الجواب رسالة الغفران وهي أشبه
بكوميديا إلهية مسرحها الجنة والنار .
تقسم رسالة الغفران إلى قسمين كبيرين :
1-
القسم الأول :
رحلة ابن القارح في السماء :
يتخيل المعري أن ابن القارح قرر القيام بنزهة في عالم الآخرة ، فيركب
جملاً من الجنة ، خلق من ياقوت ودر ، وهناك يتعرف على الجنة ليرى ما
فيها من نعيم ، وكذلك يرى يوم الحساب وما فيه من أهوال مقيماً ستة أشهر
حتى أعياه الحر ، إلا أنه صابر لأن صك التوبة الذي معه كفيل بإدخاله
الجنة .
حاول بشتى الوسائل أن يرشي سدنة الجنة كما يرشي الناس بالدنيا بشعره
لكنه فشل ، حتى شفع له فنال ما أراد .
وعاد إلى نعيم الفردوس ومنها قرر زيارة الجحيم ليرى أهلها وأحوالها ،
فركب دواب الجنة وسار حتى مر بجنة العفاريت وهم الجن المؤمنون ثم وصل
إلى الجحيم فرأى إبليس مكبلاً بالأغلال .
أثناء رحلته يمر بعدد كبير من الشعراء حيث يفاجأ بأن كثيرين ممن توقع
لهم الجنة دخلوا النار ، ومن توقع لهم النار دخلوا الجنة ، فوقف عند كل
واحد يسأله عن سبب منحه أو حرمانه من الغفران فيجيبونه مفصلين له عن
حالهم وعن الأسباب ،فجاء اسم الكتاب من هنا .
2-
القسم الثاني :
وهي الرد على رسالة ابن القارح شارحاً له المسائل التي تناولها ابن
قارح مضيفاً إلى أسئلته مواضيع أخرى لم يسأل عنها كحديثه عمن الزمان
والمكان وغيره .
الأهمية الفلسفية :
تدل رسالة الغفران على قوة خيال صاحبها وسعة معارفه ، متخذاً موقف
الناقد الساخر في الأدب واللغة الدين وغيرهم .
في كتابته ظهرت شكوكه في البعث نافياً العودة ، متهكماً على أخبار
الجنة والنار محاولاً إخفاء هذه الشكوك تحت ستار الغريب من الألفاظ
والتعابير .
كذلك تهكم على المعاني التي تفتقر إلى التجديد حيث مدح المبدعين الذين
أجادوا دون غلو كأبي تمام وينقد ابن هانئ الأندلسي الذي مدح فبالغ في
مدحه للمعز .
أما بناء القصائد فقد عاب استعمال الألفاظ في غير مكانه المناسب إضافة
إلى الضعف العروضي .
جاء نقده عميقاً طريفاً وصائباً رغم عدم توسعه في نقده بشكل وافٍ .
الأهمية الفنية :
جمع أبو العلاء في أسلوبه الحوار الظريف رغم التعقيد الذي تعمده في
استخدامه للشعر الغريب والأمثال ، إضافة إلى ألفاظ غير متداولة بشكل
كبير السجع والجناس ليزيد من لغته تعقيداً .
نتعرف على بعض من شعر المعري من خلال الكتاب الذي رتبه الشاعر بنفسه
وهو .
سقط الزند :
هو مجموعة أشعار أبي العلاء المعري في شبابه إلى بعد رجوعه من بغداد ،
يشتمل ديوانه على المدح والفخر والرثاء والوصف النسيب ، مع احتوائه على
الهجاء والمجون والصيد .
1-
المدح :
وفيه مدح الأمراء وذوي السلطان وقسم آخر جزء من الاخوانيات خص به
أصدقاءه ومراسليه .
في مدح الأمراء وذوي السلطان أسلوبه رسمي فيه المبالغة واتقان أبياته
على حساب العاطفة الصادقة ، أما قسمه الثاني فنلحظ فيه صدق العاطفة .
أحياناً يصبح شعره موضوعاً عليماً أو خلقياً ، فلا يبقى من الشعر إلا
الوزن والصور :
والكبر والحمد ضدان اتفاقهما مثل اتفاق فتاء السن والكبر
يجنى تزايد هذا من تناقض ذا والليل إن طال غال اليوم بالقصر
اعتمد أبو العلاء في مدحه على من سبقه ، فالمعاني العميقة أخذها من أبي
تمام ، أما كثرتها فيجاري في ذلك المتنبي ، كذلك قلد البحتري في دقة
التصوير ، أما ما ميزه عن الآخرين فهو المقاربة واستخدام المحسوس
للارتقاء منه إلى معان أدبية ساعدت بإيجاد صور متميزة .
2-
الفخر :
فيها يفخر الشاعر بنفسه وبقومه ، فهو صاحب صفات نبيلة كالشجاعة والكرم
والذكاء ، أما عن قومه فهو أهل الشعر والغنى والمعروف .
يبالغ أبو العلاء أحياناً في فخره وكأن قبح شكله قد يسبب عائقاً
لاحترام الناس له فهو يؤمن بأن الغنى للروح وحدها ولجمال الداخلي يعطي
أي جمل خارجي :
وإن كان في ليس الفتى شرف له فما السيف إلا غمده الحمائل
3-
الوصف :
تركز وصفه على الأشياء المعنوية كالحزن والفرح وهي التي يدركها بعقله
وخياله دون حاجته إلى البصر ، أما إن وصف غير المعنويات فهو مقلد
للشعراء السابقين :
وإصباح فلينا الليل عنه كما يغلى عن النار الرماد
أبل به الدجى من كل سقم وكوكبه مريض ما يعاد
استعمل في وصفه التشبيه كالنوق الشبيهة بالطيور المحلقة الباحثة عن
الماء .
أشهر أ,صافه الدرعيات حيث يسبهها مرة بالغدير ومرة بعين الجراد متكناً
في وصفه على الأسلوب المجاهلي البدوي بكل ما فيه من ألفاظ غريبة .
4-
الرثاء :
كتب أبو العلاء سبع قصائد فيها أمه وأباه وأبا حمره الفقيه وغيرهم .
جاء رثاؤه لأبي خمرة من أجمل ما قيل في الشعر العربي كله لما جمعه من
لوعة نفذت إلى أعماق النفس مع حكمة عميقة تتحدث عن الحياة :
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
تعب كلها الحياة فما أعج ب إلا من راغب في ازدياد
اختلف الناس في تقدير أبي العلاء فمنهم من رفعه إلى علياء المجد
والتكريم وفريق آخر يرى في كلامه انحراف عن الصراط المستقيم لامتلاءه
بالشك إلى جانب اليقين
|