أبو الطيب المتنبي (915-965م/303-354هجري)

 

1ً حياته : ولد المتنبي في الكوفة ، و اشتهر منذ حداثته بحدة الذكاء ، وقد اختلط بأعراب السماوة و اخذ عنهم ملكة اللغة ، ثم طلب المجد و السيادة بشعره ، ولما أخفق طلبهما بسيفه فقاد ثورة كانت نتيجتها السجن و الاخفاق  أيضاً .

و اتصل المتنبي ببدر بن عمار في طبرية ثم ما عتم أن تركه بسبب الحساد ، واتصل بسيف الدولة امير حلب و لزمه تسع سنوات كانت اطيب حقبة في حياه المتنبي ، ثم تركه و قصد كافورة بمصر طامعاً في ولاية عهده بها الامير الاخشيدي ثم اخلف وعده فانحرف عنه المتنبي و هجاه ، ثم راح يضرب في البلاد متقلباً بين العراق و فارس ، متصلا بابن العميد و عضد الدولة . ثم قتل في طريقه الى بغداد .

2ً آثاره : لأبي الطيب المتنبي ديوان كان هو اول من جمعه ، وقد شرحه الكثيرون منهم العكبري و اليازجي ، وتعددت طبعاته . والديوان يحتوي مدحاً ، ورثاء ، و هجاء ، و فخراً ، وغزلاً ، ووصفاٍ  وحكماً ، وهو يقسم قسمين كبيرين : شعر الصبا الى سنة 948، وشعر الكهولة .

3ً شخصيته في شعره : كان شعر المتنبي شديد اللصوق بشخصيته ، فكان صورة لنفسه في جميع احوالها : في مجازفتها وفي تقديسها للقوة ، في صبرها وأنفتها ، في ثورتها و تشاؤمها ، و في اعراضها عن القيم الروحية . وقد انقسم شعره بالنظر الى بروز شخصيته الى اربعة اقسام : قسم هو شعر الفتوة يتضمن الفخر و التهديد ، لا يخلو من صبغة انسانية استقاها الشاعر من انعكافه على نفسه وتحليل آلامها و آمالها ، وقسم قيل عند سيف الدولة ، وهو شعر القومية و الجهاد ، فيه فرحة غالبة و حسرة كامنة ، و قسم قيل في مصر هو عصارة نفس فاشلة يحفل بالمعاني الانسانية و الشعور الانساني ، وفبه سخر اليم ، و قسم قيل في فارس و العراق ، فيه لين و التفات الى الطبيعة .

4ً فنونه الشعرية :

1-المدح : يشغل المدح القسم الاكبر من ديوان المتنبي ، و قد مدح نحواً من خمسين شخصاً أشهرهم سيف الدولة . و كانت معاني مدحه ما عهدناه عند سائر المداحين الا انها تصطبغ بصبغة خاصة تلائم نفسية المتنبي القوية . وكان اسلوبه ايضاً الاسلوب القديم مصطبغاً بثورة نفس الشاعر . اما قيمة مدح ابي الطيب فحقيقة لما يتجلى في شعره من خبرة بالاخلاق ، وتصوير رائع ، وعلو نفس ، و شدة جرس موسيقي . وفي مدح المتنبي ايضاً تحسينات بديعة موفقة .

و فضلا عن ذلك فان لمدح المتنبي قيمة تاريخية كبرى على ما هنالك من مغالاة شعرية و حماسة فوارة 

2- العتاب : عتاب المتنبي أشبه بمحاسبة ، فيها روعة .

3- الرثاء : كان المتنبي يلجأ في رثائه الى ضرب الحكم و بسط فلسفة متشائمة ، ولكنه في رثائه من يحبهم كان يضطرم عاطفة .

4- الوصف : توفر المتنبي على وصف الاخلاق ، وقد انصرف الى وصف بعض المشاهد الطبيعية و الحيوانات ، و اكثر من وصف المعارك ، وكان يحرص في وصفه على التأثير القوي . وحربياته حافلة بالقوة تنطلق من كل بيت و لفظة و قافية .

5- الهجاء : هجاء المتنبي انتقام لكرامته ، و اثئار من زمانه ، و اشمئزاز من الدناءات ، و احتقار للؤم  و استصغار للناس ، و المتنبي لا يعرف الا الطعن الجارح البليغ . وقد يعمد الى السخر وهو فيه ماهر

6- الفخر : ابو الطيب يفخر في جميع احواله ، و قد كاد يحصر فخره في نفسه مطرئاً عزمه و صبره و تصلبه، وخبرته ، وشاعريته ، وفخره صريح ، جريء ، فيه غلو يصدر عن الانفعال الشديد ، وفيه انفة و ترفع و اندفاع .

7- الغزل : غزل المتنبي ضعيف العاطفة تقليدي في مجمله .

5ً المتنبي شاعر الحكمة : فلسفة المتنبي :

1-              ما المقصود من فلسفة المتنبي : ليس فيلسوفاً بمعنى الكلمة الصحيح و لكن له خطرات في الحياة و الاحياء .

2-              مصدر فلسفته : مصدر فلسفته نفسه و تجاربه و إلهامه . هي فلسفة الامل الطامح المؤمن بالقوة ، و الامل الخائب المثقل بالنقمة و الثورة و التشاؤم .

3-              موضوعات فلسفته : صرف المتنبي همه الى الانسان في حياته و اخلاقه و عواطفه و علاقته بالجماعة التي يعيش فيها :فالحياة في نظره مسرح من مسارح تنازع البقاء و ساحة حرب و دار فناء ، وهي مع ذلك محببة الى كل انسان و الموت أمر محتوم ينبغي استقباله من غير جزع واما الدين فقلما التفت المتنبي اليه واما الزمان فهو في نظر المتنبي عدو الاحرار و كرام النفوس ، وهو يقسم الحظوظ على الناس ولا يجمع بين الحظ و الفهم وأما الناس فهم في هوة من الصغارة و الهوان لا يستأهلون الا احتقاراً ، و اخلاقهم ثابتة فيهم واما تصرف اللبيب ، والحالة هذه ، فيجب ان يكون ازدراءً للناس و الزمان ، و طموحاً الى مجد رفيع لا يناله الا بالقوة او الحيلة .

4-               قيمة فلسفته : ليست فلسفة المتنبي فلسفة حيرة ، وانما هي اعتماد شديد على الفكر الجازم وقد جمعت بين القوة و الايجاز و الاحكام في التعبير ، فنبضت حياة و قوة و جمعت تعاليم أخلاقية سامية ، ومعرفة عميقة للنفس الانسانية ، وان لم تخلو من نقص في الاتزان احياناً ، ومن تشاؤم في النظر الى الناس و الدنيا احياناً اخرى .

6ً المتنبي الشاعر القومي : كان المتنبي بدوي النزعة ، خالص العروبة ، يقدس القومية العربية ، ويؤثر الجنس العربي . و قد ظهرت قوميته في نواحٍ متعددة من شعره ، فحرض على جمع الكلمة و خلع النير الاجنبي ، عندما شاهد ضآلة احوال العرب و انحلال السلطان العباسي . وكان احسن شعره في تمجيد العرب ما قاله عند سيف الدولة . وكانت طريقته في ذلك جديدة . ينظر فيها الى العروبة في مداها الرحب الشامل .

7ً شاعرية المتنبي : كان المتنبي ذا عقل قوي زادته التجارب  غنى فأتى بالعجيب من الافكار و ان لم تخل تلك الافكار من شذوذ و تطرف احيانا ، و كان اخيرا ذا عاطفة بعيدة الغور بالغة الشدة قد صفتها يد الالم فانفجرت متنوعة و بعيدة الاصداء ، و كان اخيرا ذا خيال جبار مغرم بكل عظيم ، ولكنه خيال واقعي وسعت الاسفار اجواءه .

8ً فن المتنبي : فن المتنبي فن شخصي يصدر عن النفس ويصطبغ بالوانها ، و من ثم كان متنوعاً فيه قوة و ضخامة تتجليان في المعنى و المبنى .

9ً شهرة المتنبي و خلوده : كانت شخصية المتنبي واوجه شعره المختلفة من اهم عوامل شهرته . قد اتسعت الحركة المتنبئية اتساعاً عظيماً فشملت العهد العباسي و عهد الانحطاط و عهد النهضة ، وذلك في الشرق و في الغرب .

وكان لشعر المتنبي في الادب العربي أثر صالح و آخر سيىء .

 

 
 

Copyright © arabEra.com 2001. All rights reserved. If you have any questions or comments, please contact our webmaster